موقع الفنان محمد رسول البستاني
أحصنة محمد رسول البستاني
غربة الأزرق . . ورماده
أن ترى أحصنة بلون الرماد , أحصنة زرقاء , يشطبها رماد بلا لون , رماد قاتم , تحس وأنت تحدق فيه أنك تحولت من الداخل إلى كلس ونثار أحجار , أن ترى أحصنة , بوجوه , كأنها وجوهنا , أحصنة تشبه الناظر إليها , وهو يتفرس في ملامحها , أن ترى كل هذا وأكثر منه , مغامرة تدعوك إليها للوهلة الأولى لوحة الفنان العراقي المغترب محمد رسول :
لا أدري لماذا أحسست للمرة الأولى وأنا أنظر إلى تلك اللوحة أن أحصنتها كانت في البدء زرقاء ثم ألغيت زرقتها بهذا اللون الشرس الذي يخاطب المتلقي بلغة قوية وكأنه يصيح به من البعيد .
لطالما كانت الخيول والأحصنة مادة فنية رائعة , خاصة في الفنون البصرية , ولقد وجدناها حاضرة دائما في ذاكرة العراقي التشكيلي منذ القدم , منذ أن كانت اللوحة تجسيدا لمنجزات الإنسان العراقي في أرض الرافدين حتى هذه اللحظة , مرورا – بالطبع – بوجوه الأحصنة في لوحات كاظم حيدر , وكتل العضلات البارزة في حصان جواد سليم في نصب التحرير , ومن دون شك فوق كل هذا وذاك الألوان التي انتثرت من ريشة المبدع الكبير فائق حسن وهو يضع في حلبة السباق الفني أحصنة , لا يمكن أن تغيب عن البال مهما بعدت بك الشقة عن عالم الفن .
محمد رسول البستاني العراقي التشكيلي المغترب , هو الآخر اليوم يرسل إلى المضمار خيولا أو أحصنة , تقول الكثير , لكن بدقة وتركيز بالغين , كأنما هو أطلقها من مرابطها منذ زمن , وترصدها وهي ترتسم على وجوهها هذه النظرات والملامح بعد أن طال بها التجوال شرقا وغربا , ثم عاد ليلتقط منها هذه النظرة الوالهة التي تأخذنا بعيدا في عالم خيال وحقيقة يتحدان معا , ليتشكل في أفق اللوحة معناها ومفرداتها .
محمد رسول البستاني ينتزع منك من الداخل مفردات لوحته , ولذا فهو قادر دائما على التأثير فيك وأنت تنظر إلى ما يتركه على البياض من عوالم , قد يراها المتلقي العادي معتمة , وباردة , لكنها في الواقع آسرة في تنوع ألوانها وإشراقاتها .
قبل أكثر من خمسة عشر عاما حدثني صديقي الشاعر العراقي احمد الشيخ علي عن إحساس غريب يراوده , دائما , قال : كأنني أرى حصانا أزرق يدور معي أينما اذهب داخل البيت , يدخل معي غرفة النوم ويتجول معي في الصالة وحتى في المطبخ , وغرفة الجلوس , يومها فهمت ما يقول بشيء من الرومانسية الحلمية , وقلت له إن هذا خيال خصب وشعرية عالية تنام وتصحو معك دائما .
اليوم – ومنذ وصلتني لوحة الخيول لمحمد رسول وأنا أعيش معها , بدقة ذلك الوصف الذي نقله لي صديقي الشاعر احمد الشيخ علي , فخيول تلك اللوحة لا تفارقني ليل نهار , وليس الأمر حلميا أو تصورا شاعريا كما قد يتخيله البعض , بل هو حقيقة خالصة , ودقيقة تماما , فهي – أي تلك الخيول – تتغدى معي وتأخذ شايها معي وأحيانا حين افتقد وجودها المادي الحقيقي أحسها جالسة في الغرفة الأخرى تتحدث إلى صغاري , أو هي في باحة الدار واقفة أو مستلقية هنا أو هناك , ترى هل يمكن للوحة أن تفعل كل هذا ؟
لماذا أتصور وأنا انظر إلى هذه الأحصنة إنني واحد منها , قد أكون أنا الأخير في طرف اللوحة , ذاك الذي ترتسم على وجهه نظرة ساهمة غريبة تختلف تماما عن الملامح والنظرات التعبة المنهكة في الاثنين المتقدمين في صدر اللوحة , كأننا عائلة واحدة , أب وأم وولد يسير خلفهما بهدوء واتزان , لماذا أراني أكثر رمادية من أبوي , أكثر ميلا إلى الظل والعتمة , هكذا يترك في الفنان هذا الإحساس بالتماهي مع أشياءه , هو يرسم في الغربة وأنا أتجسد في مفرداته كما أريد أنا لا كما يتركه هو على قماشته , هذه العلاقة الفذة الرائعة بين المتلقي والمبدع , علاقة أدرك أبعادها منذ زمن بعيد الفنان التشكيلي محمد رسول , واشتغل عليها طويلا حتى أصبحت لديه ملكة أو جزءا من فاعلية المفردة الفنية لديه , لونا وخطا ومساحة .
عندي أن الحديث عن أي اثر إبداعي , قد لا تحيط به المفردات أبدا , وعندي إن اللوحة خلق لا يسعك إلا أن تنشد إليه مبهورا وتترك الكلام لنفسك لتحدثك من الداخل حديثا لا ينتهي أبدا .
طوبى لمحمد رسول وأحصنته في غربتها .
وطوبى لكل الغرباء .
14 / 1 / 2008
محيي الدين الجابري
شاعر عراقي
| في معرض الفنان محمد رسول البستاني الاخير والذي اقامه في متحف جيفرسون للفن الحديث في واشنطن نستطيع ان ندرك ان هذا الفنان ماض في رحلة اكتشافاته بلا تراجع وان بناء اللوحة لديه اخذ بعدا تجريبيا يستمد دهشته من تراكم الخبرة لدى الفنان وتنوع مصادر معرفته وحين ارجع بالذاكرة لبدايات محمد رسول تتناثر امام عيني عوالم من الالوان المليئة باساطير لاقبل للقارئ الطارئ بها فهي تحتاج الى مران من نوع خاص يستحضر كل مفردات الخلق الابداعي في مسيرة الفنون البصرية الحديثة تنوع مدهش سكبته معرفته المحدقة بصدق على تفاصيل العالم من حوله ومعالجات اكتسبها من غزارة التجربة ومرارة الترحال فحين اتذكره سائرا في ازقة النجف الاشرف موغلا في تفاصيلها المثخنة باللون واحتراقاته بفعل مؤثرات الحياة وحتمية الموت وما تجره هذه المعادلة الابدية من امعان في مواصلة التساؤل والتجريب ادرك لماذا استحوذ بتمكن من دهشة المتامل الامريكي والعراقي على حد سواء هو نفسه من كان يرقب اختلاف الوجوه وخطوطها واشكالها مجتمعة وهي تحج الى مدينته من كل الجهات بما تحمله هذه الجهات من غنى التنوع وصدق الحضور مما اربك مخيلته الفتية انذاك ليحيل ارباكها الى رحلة بحث وتساؤل كنت ارقبه وهو يعمد يديه بماء معاناته ليصب في اديم القماشة كتل نابضة بالحياة تحيل مساحة اللوحة الى عالم من المتخيل والمحسوس في عرس لوني يجعل من متعة المشاهدة محاولات للاجابة ولكن بتساؤل اخر ان المتابع المنصف لاعمال البستاني يجد انها عوالم مستقلة ومكتفية بذاتها اغنت الاخر ولم تغتن به ولعمري ان قراءات الفنان وتجاربه البصرية المتنوعة كانت خاماته التي لاتنفذ لامداد اللوحة بما تحتاجه من عوامل الخلود في مدارس النجف التي لا حدود لمعارفها تتلمذ البستاني وفي ازقتها عرف انه يعيش في راس العالم وعليه ان يكون جديرا بتساؤلاته وجديرا بعذاباته ايضا لذا عمد معرفته بالم عظيم وهم اكبر من هموم العاشقين عشق اخضرار الزمن في ابواب قديمة ظالعة بالخلق وهام بانكسار الضوء على اسراب العباءات الحرير وانهكته خطوات مرتبكة لحمائم الحضرة وهي تطارح اجداث العباقرة انواع الهديل والف قراءة الكتب التي يسير مؤلفوها بين عينيه وسلم سوق الحويش ومسالكه المتخمة بالفكر والامنيات راود ته مقاهي المدينة عن راسه ليرى روادها وهم يملئون مكتبات العالم شعرا وفلسفة واساطير فمن لمثله مدارج طفولة بعظم تلك المدارج ؟ ومن لفان كوخ بدموع تفيض بها صحراء الدنيا ليسكبها على القماشة معنى ولونا واغنيات اسمعه يهمس باذن المطارات ( انا راحل ومعي ارث العالم ) ومن معه ارث العالم لن يعيقه العالم عن الولوج الى سطح اللوحة وفك الغازها في لوس انجلس درس الرسم وفي فرجينيا درسه وحين استقر في مشيكان قرر ان يكون فنانا ليس للاخرين سلطة على قراره وهناك مارس عشقه كراهب بابلي تسجد على عتبة فنه عيون التاريخ وترصده بحب صلوات صاعدة ابدا رسول المرشدي- كاتب وفنان - فرجينيا |